Culture

أضواء مختلفة: حين يفكّ المسرح عُزلة التوحد ويحول الركح إلى مساحة آمنة

Spread the love

بقلم سارة البراهمي

بخطوات واثقة، تتجاوز حدود الارتباك المعتاد، اعتلى أطفال طيف التوحد خشبة « مسرح الجهات » بمدينة الثقافة بتونس، ضمن الدورة الثانية لتظاهرة « أضواء مختلفة

هذه التظاهرة التي ينظمها مركز « الخطوات الأولى » للتربية المختصة، لم تكن مجرد عرض فني، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ولادة لغة بديلة تتجاوز الكلمات لتستقر في عمق الأداء الجسدي والحسي

لقد تجلى هذا المفهوم بوضوح في العرض الافتتاحي « منطقة آمنة »، الذي لم يكن مجرد أداء فني، بل تجربة حية لخلق مساحة تواصلية خالية من القيود. ويرى أستاذ المسرح والمشرف الفني على هذه العروض محمد بوزيد أن الفكرة نبعت من ضرورة احتواء الأطفال الملتحقين حديثاً بالورشة، حيث سعى من خلال « المنطقة الآمنة » إلى جعل الركح امتداداً طبيعياً لحريتهم الجسدية

وتتقاطع هذه المقاربة مع ما طرحه عالم النفس البريطاني دونالد وينيكوت حول « الفضاء الانتقالي » حيث يعتبر الفن واللعب مساحة وسيطة بين العالم الداخلي الذاتي والواقع الخارجي الموضوعي، مما يساعد الطفل على بناء جسر آمن للتواصل مع الآخرين دون الشعور بالتهديد

هذا التدفق الإبداعي استمر في عروض « صرصار » و »نهار اللي جيت »، حيث تبلورت الأفكار عبر جلسات عمل مكثفة مع الإطار التربوي لضمان وصول الرسائل المنشودة. وهنا، يؤكد بوزيد أنه لا يسعى لفرض لغة مسرحية جاهزة، بل يهدف إلى استقطاب لغة الأطفال العفوية واستعارة مفردات من قاموسهم اليومي لدمجها في نسيج العمل. فالمسرح في نظره فن مرن، يمتلك قدرة هائلة على استيعاب تلك التعبيرات وإعادة صياغتها، حتى تصبح « لحظات الصمت » فوق الركح جزء من العرض ولحظات صدق تعبيرية عالية تدعو المتفرج للغوص في سبر أغوار طريقتهم الفريدة، لا خللا فنياَ

إن هذه التجربة تتماشى جوهرياً مع مبادئ « العلاج بالدراما » كما صاغها الرائد روبرت لاندي ، خاصة في مفهومه حول « المسافة الدرامية » . فالمسرح يسمح لطفل التوحد بالتعبير عن مشاعره العميقة من خلال « قناع » الشخصية، مما يمنحه توازناً بين الاندماج العاطفي والانفصال الفني، ويحميه من الانغمار في القلق الاجتماعي أثناء المواجهة مع الجمهور. هذا الرابط الإنساني والعميق هو ما دفع المؤطر الفني لتغيير مساره الأكاديمي بالكامل، من التخصص في « فن الممثل » بالمعهد العالي للفن المسرحي بالكاف، إلى « الطفولة والوسائط الفنية » بقرطاج درمش، متطلعاً اليوم لتوثيق هذه المقاربة عبر أطروحة دكتوراه تؤصل لهذه التجربة الفريدة. فهو يؤمن بأن القبول العفوي الذي لقيه من هؤلاء الأطفال هو الذي وجهه نحو الإخراج، ليحول تجاربه معهم إلى مختبر مفتوح للاكتشاف وفرصة لاستعادة صدق المشاعر. ويظل الرهان الأكبر في أضواء مختلفة هو الانتقال من نظرة الشفقة النمطية إلى أفق التلقي الفني الواعي، فمن خلال توظيف الرموز الفنية والطرح البصري العميق، يُجبر العرض الجمهور على احترام ذكاء هؤلاء المبدعين ورؤية القدرات الكامنة خلف التوحد

ومع تنامي الوعي العربي بأهمية الفنون كأداة للإدماج، يبدو أن هذا النوع من المسرح الخاص سيفرض كيانه مستقبلاً كمصدر إلهام للممثلين المحترفين أنفسهم، مما يتطلب دعماً مؤسساتياً وتوفير بيئة تدريبية مجهزة بتقنيات حديثة تليق بأحلام هؤلاء الأطفال. ختاماً، تبقى « أضواء مختلفة » دعوة مفتوحة للتخلي عن القوالب الجاهزة وفهم « الآخر » المختلف

هي رسالة حب كُتبت بأجساد ونظرات لا تشبه غيرها، لتؤكد أن السعادة الحقيقية تكمن في تلك اللحظات الصادقة التي يمنحها الفن حين يكون نابعاً من القلب، ومن أجل القلب فقط

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *