National

الخامس عشر من أكتوبر.. عيد الجلاء في تونس: ذاكرة السيادة الوطنية وأسئلة الاستقلال المتجدّدة

Spread the love

في الخامس عشر من أكتوبر من كل سنة، تستحضر تونس إحدى أبرز محطات تاريخها الوطني، وهي عيد الجلاء، الذي يخلّد خروج آخر جندي فرنسي من مدينة بنزرت سنة 1963، بعد مسار طويل من النضال والتضحيات التي خاضها التونسيون دفاعًا عن سيادة وطنهم وحقهم في تقرير مصيرهم.

ولا تمثّل هذه الذكرى مجرّد محطة في الروزنامة الوطنية، بل تستعيد معها البلاد مرحلة مفصلية من تاريخها، ارتبطت بمقاومة الاستعمار وبالتضحيات التي مهّدت لاستكمال السيادة الوطنية بعد الاستقلال سنة 1956.

كانت مدينة بنزرت مسرحًا لأحداث دامية في جويلية 1961، حين تحوّل الصراع حول الوجود العسكري الفرنسي إلى مواجهة خلّفت عددًا كبيرًا من الضحايا، لتظلّ تلك الأحداث إحدى المحطات المؤلمة في الذاكرة الوطنية التونسية. وبعد مفاوضات ومسار سياسي وعسكري معقّد، غادرت آخر القوات الفرنسية بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963، لتُطوى بذلك صفحة من الوجود العسكري الفرنسي في البلاد.

وبين استحضار الماضي وتحديات الحاضر، تطرح هذه الذكرى سؤالًا يتجاوز الاحتفال الرمزي: ماذا تعني السيادة الوطنية اليوم؟ فاستقلال الدول لا يُقاس فقط برحيل القوات الأجنبية، بل يتجسّد أيضًا في قدرتها على حماية قرارها الوطني، وتعزيز اقتصادها، وضمان أمنها المائي والغذائي والطاقي، وتوفير مقومات العيش الكريم لمواطنيها.

وفي ظلّ التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه تونس، تكتسب ذكرى عيد الجلاء معنى متجدّدًا، باعتبارها مناسبة للتأمل في العلاقة بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي، وبين رمزية السيادة وقدرة الدولة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.

إنّ الوفاء لتضحيات الأجيال التي ساهمت في تحرير البلاد لا يقتصر على استذكار الأسماء والأحداث، بل يتطلّب أيضًا صون الذاكرة الوطنية، وتعزيز الوعي بالتاريخ، وتحويل قيم الحرية والسيادة إلى ممارسة يومية تقوم على المسؤولية والعدالة والتنمية.

في 15 أكتوبر، تستعيد تونس ذكرى الجلاء، لكن الرهان الحقيقي يظلّ في جعل الاستقلال مشروعًا متواصلًا، تُقاس نتائجه بما يتحقّق من كرامة للمواطن، واستقرار للبلاد، وقدرة على بناء مستقبل أكثر عدلًا وسيادة.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *