بقلم انتصار ڤصارة
صادق مجلس نواب الشعب على مشاريع قوانين تتعلق بعقود لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة بـ76 صوتًا مع و24 صوتًا ضد، في جلسة برلمانية عكست انقسامًا حادًا حول خيار استراتيجي يمسّ مستقبل المنظومة الطاقية في تونس
وبين خطاب حكومي يقدّم هذه العقود كمدخل لتقليص العجز الطاقي وتحسين الإنتاج، ومواقف معارضة تعتبرها إعادة إنتاج للتبعية الطاقية، يتسع هامش الجدل حول طبيعة هذا الخيار وكلفته الحقيقية
في تقديمه لهذه المشاريع، أكد كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي أنها ستساهم في توفير ما يقارب 300 مليون دينار سنويًا، إلى جانب رفع إنتاج الكهرباء بنسبة تقدّر بـ7%. وهي أرقام تم تقديمها كدليل على الجدوى الاقتصادية للنموذج المقترح، غير أن هذا الطرح لم يمرّ دون اعتراض، إذ اعتبره عدد من النواب والخبراء أرقامًا إجمالية لا تعكس الكلفة الفعلية للنظام المقترح على المدى الطويل

معارضة برلمانية
“عقود إذلال” وإشكال في السيادة في قلب النقاش البرلماني، برزت مواقف معارضة حادّة، من بينها ما صرّح به النائب بلال المشري الذي وصف هذه الاتفاقيات بـ“عقود إذلال”، معتبرًا أنها تُفرغ الدولة من جزء من سلطاتها السيادية، خاصة على مستوى فضّ النزاعات التي تُحال إلى التحكيم التجاري الدولي بدل القضاء التونسي. كما أثار النائب مسألة الامتيازات الجبائية والديوانية الممنوحة للمستثمرين الأجانب، معتبرًا أنها تخلق اختلالًا في مبدأ المساواة أمام القانون، وتضع المستثمر المحلي في موقع غير تنافسي مقارنة بالفاعل الأجنبي.
هذا الخطاب السياسي وجد صداه في تحليلات اقتصادية لاحقة، خاصة تلك التي تناولت بنية هذه العقود من زاوية توزيع المخاطر والعائدات. دراسة تفكيكية: أرقام تعيد رسم الصورة أحد أبرز المساهمات في هذا الجدل جاءت من دراسة صادرة عن المرصد التونسي للاقتصاد، قدّمت قراءة تفكيكية لبنود هذه اللزمات، وطرحت تساؤلات جوهرية حول منطقها الاقتصادي
تشير الدراسة إلى أن العجز الطاقي في تونس بلغ حوالي 7.1 مليار دينار سنة 2025، في حين قُدّرت فاتورة توريد الطاقة بنحو 11 مليار دينار، وهو ما يُستخدم رسميًا لتبرير التوجه نحو تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة. غير أن الدراسة نفسها تقترح قراءة مغايرة، مفادها أن هذا التحول، كما هو مصمم حاليًا، لا يعني بالضرورة تقليص التبعية الطاقية. وتذهب الدراسة إلى القول

الانتقال الطاقي عبر هذه اللزمات لا يحقق الاستقلال، بل يعيد إنتاج التبعية في ثوب جديد، حيث تصبح كلفة الإنتاج وتمويله واستقراره مرتبطة بالخارج
إشكال النموذج: من الإنتاج الذاتي إلى اللزمات من أبرز المعطيات التي تثيرها الدراسة، التغيير العميق في بنية إنتاج الكهرباء، حيث تم الترفيع في حصة نظام اللزمات في المخطط الشمسي من 23% إلى 78%، وهو ما يعني عمليًا اعتمادًا شبه كلي على هذا النموذج
هذا التحول يُقرأ، وفق نفس المصدر، باعتباره مجازفة هيكلية تقلّص من تنوع خيارات الإنتاج (الإنتاج الذاتي، التراخيص، المشاريع العمومية)، وتضع قطاعًا استراتيجيًا في يد فاعلين خارجيين على مدى طويل. مقارنة الكلفة: بين الرقم النظري والواقع التشغيلي في الخطاب الرسمي، يتم تقديم الطاقات المتجددة كخيار أقل كلفة، حيث تتراوح كلفة الكيلوواط/ساعة بين 100 و124 مليم، مقابل حوالي 300 مليم في الإنتاج من الغاز. لكن الدراسة تعتبر هذه المقارنة غير مكتملة، لأنها تتجاهل عاملًا حاسمًا: القدرة التشغيلية. إذ تشير إلى أن: «المحطات الغازية توفر الكهرباء بنسبة تصل إلى 90% من الوقت، بينما لا تتجاوز قدرة المحطات الشمسية بين 19% و21% سنويًا» بمعنى آخر، فإن انخفاض السعر لا يعكس بالضرورة كفاءة التزويد أو الاستقرار الطاقي، بل يرتبط بسياق إنتاجي مختلف جذريًا
مخاطر العملة: تعريفة مرتبطة بالخارج إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في الدراسة تتعلق بآلية التسعير، حيث أن حوالي 80% من تعريفة بيع الكهرباء مرتبطة بسعر صرف اليورو مقابل الدينار. هذا يعني أن تقلبات العملة تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج، إذ تشير الدراسة إلى أن: «كل تراجع بنسبة 1% في قيمة الدينار يؤدي آليًا إلى ارتفاع التعريفة بحوالي 0.8%» هذا الربط يجعل الشركة التونسية للكهرباء والغاز في موقع تحمّل مباشر لمخاطر السوق المالية الدولية، في عقود تمتد في بعض الحالات إلى 25 سنة
القيمة المضافة: تساؤلات حول الأثر المحلي من النقاط التي تثيرها الدراسة أيضًا محدودية الأثر الاقتصادي المحلي لهذه المشاريع، حيث تشير إلى أن الأرباح يتم تحويلها بالكامل تقريبًا إلى الخارج، مع ضعف نسبي في نسب الإدماج الصناعي وخلق مواطن شغل محلية مستدامة. هذا المعطى يعزز فكرة أن النموذج الحالي قد لا يؤدي بالضرورة إلى بناء منظومة طاقية وطنية مستقلة، بل إلى إدماج تونس في سلسلة إنتاج عالمية غير متكافئة
توزيع المخاطر: من يتحمل الكلفة الحقيقية؟
على مستوى آخر، تكشف الدراسة عن اختلال في توزيع المخاطر التعاقدية، إذ تُلزم العقود الشركة التونسية للكهرباء والغاز بشراء كامل الإنتاج، حتى في حالات الفائض، إضافة إلى تحمل كلفة الربط بالشبكة في بعض المشاريع. وتلخص الدراسة هذا الوضع بالقول: «ربحية المشروع مضمونة للمستثمرين والممولين، بينما تتحمل الدولة الجزء الأكبر من المخاطر» بين التحول الطاقي والتبعية الجديدة بين الخطاب الحكومي الذي يراهن على الأرقام الإجمالية للعائدات، والتحليلات النقدية التي تفكك بنية العقود، يتضح أن النقاش لا يتعلق فقط بجدوى الطاقات المتجددة، بل بشكل إدارتها وشروط إدماجها في الاقتصاد الوطني. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بالانتقال الطاقي كهدف، بل بالنموذج الذي يتم عبره هذا الانتقال
هل هو مسار نحو استقلال طاقي فعلي، أم إعادة صياغة لعلاقات التبعية بأدوات قانونية ومالية جديدة؟
بين هذين التصورين، يبقى الملف مفتوحًا على أسئلة أكبر من مجرد أرقام: من يربح؟ من يتحمل المخاطر؟ وأي سيادة طاقية يمكن أن تنتج عن هذا الاختيار في المدى الطويل




