تونس لم تطهر بعد من قمع البوليس – انتصار قصارة

مر أكثر من شهر على قرارات قيس سعيد القاضية بتجميد عمل البرلمان و مسك جميع السلطات بيده استنادا على الفصل 80 من دستور جانفي 2014 , و هو قرار تقبله الشعب التونسي و العديد من المنظمات و الاحزاب برضا و حذر حول ما سيقدمه سعيد في الفترة القادمة خاصة بعد التمديد في فترة الإجراءات الاستثنائية

فمباشرة بعد اعلانه عن قرارته اجتمع سعيد بالمنظمات الوطنية , حيث عبر عن ضمانه لكل الحقوق و الحريات و حرية الصحافة و التعبير و ضمان علوية القانون و عدم تجاوزه تحت اي طائلة, ضمانات قدمها سعيد و تقبلتها المنظمات بكثير من الحذر و اعلان مراقبتها له و عدم تقديمها صكا على بياض

تحرّك شبابي من أجل كشف حقيقة الإغتيالات السياسيّة في تونس
Avenue Habib Bourguiba, Tunis, Tunisie ©01 Septembre 2021
Photo Crédit Ahmed Zarrouki

 احتجاجات شبابية تجاوزت الاشهر وصولا الى 25 جويلية 

أكتوبر 2020 تحرك احتجاجي تنظمه حملة “حاسبهم” معارضة لمشروع قانون زجر الاعتداء على الامنيين  , تحرك كان أمام البرلمان واجهته قوات البوليس بالضرب و القمع و الغاز المسيل للدموع

ليس بعيدا عن اكتوبر قرر عدد من جرحى الثورة و عائلات الشهداء الذين ضاقوا ذعرا بوعود الحكومات المتعاقبة من اجل نشر القائمة النهائية الاعتصام بمقر الهيئة العامة للمقاومين و شهداء و جرحى الثورة و العمليات الالاهابية  و التنظيم لعدد من التحركات التي قمعها بوليس المشيشي , ليلتحق بها جانفي الساخن و يخرج عدد من الشباب و المواطنين للشوارع مطالبين باستقالة حكومة المشيشي و رحيل البرلمان تحركات خلفت الاف الاعتقالات للشباب المحتج و اعتداءات بوليسية عنيفة , تواصلت هذه التحركات الى مارس بوتيرة أقل الى أن وصلنا الى الحادثة التي اعادت الغليان الى الشارع حين تم قتل الشاب أحمد بسيدي حسين تحت التعذيب تلته حادثة سحل الطفل في نفس المكان .حادثتين جعلتا الشارع التونسي في حالة احتقان كبير جراء الممارسات البوليسية الهمجية و الأقرب الى ممارسات صهيونية

كان 25 جويلية 2021 نتيجة لكل هاته التحركات و الاحتجاجات التي قادها الشباب دونوصاية من قيس سعيد أو احزاب سياسية

حيث أن تحرك 25 جويلية كان من منطلق عفوي و نتيجة لضغط كبير عاشه الشعب التونسي بين الخوف من الموت بالوباء و الموت جوعا , و هو تحرك رفضته بعض الاحزاب و اعتبرته تحرك ممول من جهات أجنبية على الرغم من أن الدعوة كانت غير مبرمجة من اي طرف سياسي

مر الشهر و نيف على ذلك اليوم الذي استبشر به الشعب التونسي و العديد من الاحزاب ليمدد سعيد في مدة هذه الاجراءات الاستثنائية الى اشعار اخر وفق ما نص عليه البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية , وسط غموض و تعتيم كبير عن القرارات القادمة و الخطوات الاتية و في ظل سياسة اتصالية متعثرة للرئيس قيس سعيد و فريقه

مانش مسلمين/ات : نحن لا نعطي لسعيد صكا على بياض

هي حركة شبابية انطلقت  بعد 25 جويلية بنفس الوجوه الشبابية التي كانت تغزو الشوارع منددة بسياسات الفقر و التجويع و القمع البوليسي ,حركة التقت فيها “مجموعة من الشباب الخارجة عن أي تصنيف رسمي لتكون مجموعات على مستوى محلية و مستوى قطاعي , ما يجمع هؤلاء الشباب وفق ما صرح به الناشط السياسي أسامة الظاهري لموقع رووتس هو : “أنهم من جهة أولى هم من الداعين الى تحرك 25 جويلية و من جهة ثانية هم  يتبنون نفس القراءة لقرارات قيس سعيد و التي يثمنون بعضها دون أن يكون هذا التثمين صكا على بياض يجعل من سعيد الفاعل الوحيد على الساحة السياسية”

تحرّك شبابي من أجل كشف حقيقة الإغتيالات السياسيّة في تونس
Avenue Habib Bourguiba, Tunis, Tunisie ©01 Septembre 2021
Photo Crédit Ahmed Zarrouki

تجمع شباب حركة  مناش مسلمين/ات أمام مقر وزارة العدل بالعاصمة منددين بالفاسد الطاغي على سلك القضاء و مطالبين بمحاسبة كل قاضي ثبت تواطئه في ملفات فساد أو خرق للقانون , على رأسهم رئيس محكمة التعقيب القاضي الطيب راشد الذي أصدر فيه المجلس الأعلى للقضاء قرارا يقضي بعزله من منصبه و بالتالي رفع الحصانة عنه , لتقرر وزارة الداخلية بعدها اصدار قرار بوضعه في الإقامة الجبرية .كذلك القاضي بشير العكرمي المورط في ملف قضية الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمي وفقا لما كشفت عنه الأبحاث و التحقيقات لجنة الدفاع عن الشهيدين

تلتها وقفة احتجاجية داخل مغازة “مونوبري” لمالكها رجل الاعمال مروان مبروك و الذي تدور حوله ملفات فساد مالي و نهب لأموال الشعب , وقفة تدعو الرئيس سعيد الى محاسبة العائلات النافذة في البلاد ورؤوس الاموال الفاسدين الذين نهبوا كل الثروات

لتعلن الحركة عن تنظيم وقفة احتجاجية من أجل كشف حقيقة الاغتيالات السياسية على رأسهم ملف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي والجهاز السري  وضرورة التسريع في فتح هذا الملف و كشف الحقيقة , اضافة الى ملف شبكات التسفير والارهاب في تونس

وقفة انطلقت مع الخامسة مساءا  بمناوشة بين المنظمين للوقفة و قوت البوليس الذين منعوا التحرك بتعلة البرتكول الصحي , مناوشة سرعان ما هدأت بعد أن علت أصوات المحتجين و شعارتهم المطالبة بمحاسبة كل من تورط في اغتيال الشهيدين و لعل أهم الشعارات المرفوعة كان “يا غنوشي يا سفاح يا قتال الأرواح” قتالين أولادنا ,سارقين بلادنا”

تواصل التحرك في هدوء نسبي  تخلله بعض المنواشات الكلامية بين الصحفيين والبوليس الذي رفض تمكينهم من المرور الى المسرح البلدي للتصوير رغم استظهارهم بالبطاقات الصحفية

تسارعت الأحداث في الوقفة وتحولت الى  عنف بوليسي غير متوقع انطلق مع اطلاق أول شرارة غاز مسيل للدموع وبعد ان طلب رئيس المنطقة من المتظاهرين التفرق انهاء الوقفة و في هذا السياق أفادنا أسامة الظاهري بتفاصيل ما حدث قائلا : “طلب منا البوليس انهاء الوقفة و التفرق حالا , فطلبنا منهم تمكيننا من بضع دقائق ليتسنى لسارة البراهمي القاء كلمة توضح فيها للعموم الهدف من هذه الوقفة وتذكر  بالمطالب المرفوعة , لكن ما راعنا الا أن تم تفريقنا بالغاز المسيل للدموع والضرب والسحل الذي طال الصحفيين و المحاميين ” و اضاف أسامة :” تمت مطاردتنا الى الشوارع المتفرعة عن شارع الحبيب بورقيبة , وتواصل الاعتداء بالضرب على المتظاهرين الى نهج روما أين تم أخذي في سيارة بوليس وتكبيل يديي الى الوراء حيث تحامل 10 أعوان من البوليس على ضربي لمدة 30 دقيقة قبل أن يطلقوا سراحي “

مشهد لم يتوقع أغلب الحاضرين بالوقفة حدوثه خاصة بوجود جملة التطمينات التي كان قد صرح بها سعيد في مقابلتها مع المنظمات الوطنية . وفي هذا السياق قال أسامة :” ماحصل بالامس لا يفهم و ليس له تفسير فالسيناريوات متعددة و نحن نطرح عديد الاسئلة حول الممارسة البوليسية تجاهنا ,هل هي ممارسة صادرة عن النقابات الأمنية التي لاتزال الى اليوم ترغب في الانتقام من أحداث جانفي ؟ ام هي سياسة قيس سعيد ؟ أم انها سياسة بعض الأطراف في وزارة الداخلية و التي تبحث لنا عن صراع مع الرئيس ؟ “

و بسؤالنا عن موقف الحركة من البيانات الصادرة اثر الوقفة عن الاحزاب صرح اسامة : “نحن لا تعنينا مواقف الاحزاب من مؤيد أو رافض لقرارات قيس سعيد , نحن فقط قد نتفق معهم على ارضية عمل مشترك و قد لا نتفق , لنا مواقفنا الخاصة التي عبرنا عنها في بلاغتنا الصادرة للعموم و نرفض أن نكون “بارشوك” و لن نسمح بذلك ” . ختاما صرح أسامة لروتس : نحن بانتظار توضيح من الرئاسة حول هذا القمع الذي عشناه بالأمس وننتظر أخذ الاجراءات الازمة في هذه التجاوزات وسنعتبر الصمت موقفا سنتفاعل معه في الابان”

اعتداءات طالت الصحفيين و المحاميين

اعتداءات بوليسية عنيفة طالت الصحفيين رغم استظهارهم ببطاقتهم المهنية و اعلام الأمن أنهم صحافة و بصدد التصوير و قد نقل عديد الصحفين مباشرة على صفحاتهم بالفايسبوك الاعتداءات المسلطة عليهم والممنهجة من قبل كوادر في الداخلية وقد صرحت لنا الصحفية يسرى الشيخاوي و التي تم الاعتداء عليها من قوات البوليس :”تم منعنا من اعتلاء مدرجات المسرح البلدي رغم استظهارنا ببطاقاتنا الصحفية , ثم و نحن بصدد توثيق الاعتداءات على المتظاهرين تم دفعنا و ضربنا على الرغم من أننا كنا قد صرحنا بصفتنا”

لم يقف العنف المسلط في هذا التحرك على شخص الصحفية يسرى الشيخاوي فقط انما تم الاعتداء كذلك على الصحفية بموقع مشكال و نواة غاية بن مبارك والصحفي وعضو نقابات الصحفيين علي بوشوشة و غيرهم من الصحفيين الذين كانوا متواجدين لتغطية التحرك وبصدد تسجيل كل الاعتداءات

تحرّك شبابي من أجل كشف حقيقة الإغتيالات السياسيّة في تونس
Avenue Habib Bourguiba, Tunis, Tunisie ©01 Septembre 2021
Photo Crédit Ahmed Zarrouki

سياسة استنكرتها نقابة الصحفيين في بيانها الصادر امس 1 سبتمبر 2021 واعتبرتها “ممارسة متعمدة من قوات البوليس وهو ما تعتبره كذلك تراجعا خطيرا في التعاطي الأمني مع الصحفيين الميدانيين  ومؤشرا لانتكاسة في مسار  الصحفيين نحو الحرية وهو أسلوب النظام البائد ونظام حكومات التروكيا المعادي لحرية التعبير”

ودعت نقابة الصحفيين من خلال بيانها المذكور وزارة الداخلية الى “فتح تحقيق في الاعتداءات التي طالت الصحفيين محاسبة المعتدين وتقديم ادانة علنية واضحة . مطالبة رئيس الجمهورية باتخاذ التدابير الكفيلة بحرية العمل الصحفي

وبعد مرور 24 ساعة على التجاوزات و الاعتداءات الحاصلة على المتظاهرين و نشطاء المجتمع المدني لم تخرج وزارة الداخلية عن صمتها و لم تصرح و لو ببيان على صفحتها بأي موقف حول الممارسات الصادرة عن أعوانها و كوادرها و هو مؤشر ينبهنا الى أن تونس لاتزال دولة البوليس القامعة للحقوق والحريات وأن عقلية البوليس لم و لن تتغير لا بعد 14 جانفي و لا بعد 25 جويلية

وقد أفادنا الأستاذ المحامي غسان الغريبي الذي تم الاعتداء عليه بالعنف الشديد في تحرك أمس بشهادته مصرحا : “المواجهة مع البوليس  كانت منذ بداية التحرك ولكن كانت بنسق بطئ تمكن من خلاله المتظاهرون من تنفيذ تحركهم مدة ما يقارب 20 دقيقة و لكن فجأة تحول البوليس الى سرعة قصوى في فض التحرك واستعمال الغاز المسيل للدموع و الافراط في القوة لتفريق المتظاهرين في الانهج الفرعية ,و أنا كنت من بين الذين تم الاعتداء عليهم و بعد أن احتمي بي عدد من المحتجين , تم الاعتداء على شخصي جسديا و لفظيا من قبل 4 أو 5 أعوان  من البوليس , ليتم فيما بعد ملاحقة الشباب المتظاهر في الأنهج وحتى في المنازل بطريقة ممنهجة , و نحن سنقوم بتقديم شكايات جزائية امام المحكمة العسكرية وفقا للقانون الداخلي لقوات الأمن  في كل هذه التجاوزات وعن نفسي كنت قد توجهت صبيحة اليوم الى مستشفى الرابطة للحصول على شهادة طبية تثبت الاعتداءات الجسدية “

وتبعا للتجاوزات الحاصلة أمس , استقبل سعيد اليوم كل من رضا غرسلاوي المكلف بتسيير شؤون وزارة الداخلية و سامي الهيشري مدير عام الأمن الوطني و مراد حسين مدير عام الأمن العمومي حيث أعطى تعليماته بالالتزام باحترام حقوق المواطنين في التظاهر السلمي وحرية التعبير وفق ما جاء على الصفحة الرئيسية  لرئاسة الجمهورية على الفايسبوك .و في هذا السياق يظهر للجميع أن دولة البوليس لم تسقط بعد 10 سنوات من الثورة و أن على سعيد الالتفات الى وزارة الداخلية و تطهيرها من كل رموز الفساد و القمع و لوبيات النهضة و اتباعها حتى تتمكن تونس من الحفاظ على الحريات و الحقوق وحتى يتسنى للمناضلين الوقوف أمام كل أشكال التفقير والتجويع و سياسة التهميش الاجتماعي التي رسخها بن علي وتواصلت في حكم النهضة

انتصار قصارة

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here