Culture

إبراهيم نصر الله.. أدب يفكك التاريخ وقلب يعشق الوطن والمرأة

Spread the love

بقلم شذى الحاج مبارك

كأني أتعقب كنزا خبئ بين طيات الكتب، استغرقت رحلة بحثي عن ركن « صفحات » في معرض تونس الدولي للكتاب عشرين دقيقة، طفت فيها بين الممرات والأروقة التونسية والعربية والأجنبية، لتتوج رحلة تيهي ببلوغ ركن لم تلتفت إليه عديد وسائل الإعلام، لكنه احتضن لقاء تاريخيا مع الناقل الأمين للذاكرة الفلسطينية وحارسها الوفي الأديب والروائي إبراهيم نصر الله.

أمام حشد من المهتمين الذين تسكنهم لهفة الإصغاء إلى قامة من قامات الأدب العربي الحديث، جلس إبراهيم نصر الله بتواضع في لقاء أدارته الإعلامية إنصاف اليحياوي، وبكلماته التي تشبه تماما لغة كتبه تحدث عن تجربته التي لا يمكن أن تختزلها سطور، ويقدم نصر الله نفسه بوصفه روائياً يجعل من مساءلة التاريخ محوراً لمشروعه الأدبي، بلغة عميقة ودقيقة لا تكتفي بسرد الحكايات وإنما تعيد خلقها من جديد.

المواجهة بين الروائي والمؤرخ: إعادة كتابة التاريخ من الصفر

ما الفرق بين عمل الروائي وعمل المؤرخ؟ سؤال أجاب عنه انطلاقا من تجربته الأدبية الروائي إبراهيم نصر الله، مبينا أن قصص المؤرخين هي قصص جافة فهي لا تهتم باليومي من حياة الناس، وبعد أن تحدث نصر الله عن روايته « زمن الخيول البيضاء » ، التي تضم أكثر من 80 شخصية رد الاعتبار إليها حين كتب عنها، تساءل بمرارة: « من من المؤرخين كتب عن حياتهم اليومية؟ عن قلقهم، جوعهم، حبهم، وأحلامهم؟ أن نعرف ماذا قال ظاهر العمر لزوجته أو لقائد جنده، أو كيف أحس بالذنب فاتخذ قراراً ما.. هذه كلها صنعة الروائي وليست صنعة المؤرخ ».
وفق مقاربة نصر الله هذه، فإن هوة كبيرة تقع في المسافة الفاصلة بين ما يرويه المؤرخ وما يرويه الروائي، هذا الأخير يستدعي كيان الإنسان في يومياته بأدق تفاصيلها دون أن يمر مرورا عابرا على الشخوص والأحداث، إنه بشكل آخر يعيدها إلى الحياة النابضة، بينما يقبع المؤرخ رهين سردية واحدة لا تلامس مشاعر الناس وقد تخطئ الحقيقة.
وهنا يناقش نصر الله العلاقة المعقدة بين الروائي والمؤرخ، ويحاول الإجابة عن سؤال ملح ومحوري: ما الفرق بينهما؟ وهو في ذلك يرى أن مهمة الروائي أعمق وأهم من تعامل المؤرخ مع التاريخ، ويميز نصر الله بين الروائي الذي ينفض الغبار عما خفي من تفاصيل، والمؤرخ الذي يكتفي بالنقل الجاف والتجريد دون عناء الغوص في الحكاية.
وناقش نصر الله كيف تؤثر تلك التفاصيل التي نتجاهلها على سرد الأحداث وكيف يمكن أن يتحول التاريخ إلى نصوص عقيمة إذا فقد صلته بتفاصيل حياة الإنسان فيه.

إبراهيم نصر الله رأى :ما لم نره جميعا

الذهاب إلى التاريخ عند نصر الله هو رحلة لـ « إعادته إلى مفرداته الأولى » . وبعودته إلى شخصية فوزي القاوقجي الذي يراه الناس بطلا تاريخيا قاد جيش الإنقاذ خلال فترة النكبة الفلسطينية، فجّر نصر الله مفاجأة تاريخية تسقط عنه كل بطولة. أكد نصر الله أن النكبة الفلسطينية بدأت عام 1936 عندما فشلت الثورة الفلسطينية الكبرى وتم إيقافها بطلب رسمي عربي، وكان قاوقجي الأداة في ذلك. ووصف نصر الله مشهد خروج القاوقجي من فلسطين إلى عمان ثم بغداد (كانتا تحت الانتداب البريطاني)، ليعود عام 1948 قائداً لجيوش الإنقاذ لتحرير فلسطين من البريطانيين بـ « المسخرة » التاريخية التي غفل عنها الكثيرون، وذكر أن شيخ المؤرخين الفلسطينيين سلمان أبو ستة اتصل به مذهولاً بعد قراءة الرواية قائلاً: « لقد رأيتَ يا إبراهيم ما لم نره جميعاً ». ويواجه نصر الله بما ذكره عن القاوقجي ما كرسه الوعي الجمعي والمؤرخون من بطولات يراها زائفة. ويحفر نصر الله عميقا، محررا الذاكرة من الروايات الجاهزة ليكشف عن الإنسان المختبئ خلف السرديات الرسمية، مقدما قراءة مغايرة للسردية الشائعة تضع القارئ أمام حقيقة أخرى تتجلى حين يوضع الرموز موضع المساءلة والنقد والتقصي. وهو بذلك ينزع عن القاوقجي أوسمة البطولة محملا إياه المسؤولية عن إجهاض ثورة 1936 التي يعتبرها نصر الله تاريخ بداية النكبة الفلسطينية بالفعل. وينتهي نصر الله إلى سؤال: « كيف لم ينتبه أحد إلى هذه المسألة؟ مزعزعا صورة القاوقجي التي ارتسمت منذ عام 1936 في أذهان الشعوب، ومواجها بشجاعة، اليقين التاريخي المزيف، بأدب يذهب إلى الماضي لينقض على التاريخ و »يفصفصه » أي يقوم بتدقيقه وإظهار حقيقة أمره. وعن هذا يقول نصر الله « وأحياناً تذهب إلى التاريخ لتطرح أفكاراً تقلب هذا التاريخ، وتواجه هذا التاريخ، وتواجه كتب التاريخ التي قيلت عن تلك الفترة، وأهم من هذا تذهب لتحيي فترة كاملة زمنية طويلة وتملأها بالحياة، وهذا هو التحدي غير الموجود أصلاً في كتب التاريخ ولا يتحدث عنه أحد. »

المرأة كما يراها إبراهيم نصر الله

أعلن نصر الله بوضوح انحيازه للمرأة في أعماله قائلاً: « أنا بحب النساء برواياتي أكثر من الرجال بدون شك » . واستذكر شخصيات مثل « ريحانة » في زمن الخيول البيضاء، و »آمنة » في أعراس آمنة. وفي أحد ردوده حول رواية « أعراس آمنة » ، وما إذا كانت « الزغروطة » الفلسطينية عند استشهاد الأبناء هي درعا نفسيا أم فعل مقاومة ثقافي، أجاب نصر الله: » الزغروطة تحدٍ: « نزغرد كي لا يحس العدو للحظة أنه هزمنا، هي فعل مقاومة حقيقي يرفض الاستسلام للهزيمة ». وعن الأم الفلسطينية التي توهّج ذكرها في الأدب الفلسطيني، وجّه نصر الله الأنظار صوب تفاصيل حياتية يومية، تسقط من حسابات المؤرخ لكنها تظل حاضرة في ذهن الروائي وحين تساءل قائلا « كم أما له الفلسطيني » أجاب  » الأم، المرأة الفلسطينية حينما تجد جنودا يريدون القبض على شاب فلسطيني، تندفع 20 أم فلسطينية وتقول: ابني ابني ابني ابني، فيستغرب الجنود ذلك. » وبذلك تصبح الأم الفلسطينية أما لكل معتقل.

نصر الله: « الحكايات التي لا نكتبها تصبح ملكاً لأعدائنا »

واهتم نصر الله بالواقع المعاش كثيرا فتفاصيل الحياة اليومية الصغيرة هي البطولات الحقيقية، وهي أكبر معلم للشعب الفلسطيني وليست النخب، مشبّها الشعب الفلسطيني في بطولاته اليومية كاتحاد قطرات الماء حين تشكل بمجموعها النهر والبحر والمحيط « المعلّم الأكبر لنا هو الشعب الفلسطيني، لكن الشعب الفلسطيني هو مش كتلة…المعلّم الأكبر هو اتحاد هذه القطرات التي أوصلت الشعب الفلسطيني إلى أن يصمد أكثر من 100 عام، والبطولة اليومية هي التي تجعل الفلسطيني يصمد حتى اليوم..ملايين الأشخاص هؤلاء لديهم مواقف ولديهم صمود ولديهم إصرار على الحياة وعلى التحدي ». واستعرض الروائي صور البطولة اليومية للفلسطينيين ومنها استمرار الحياة وسط الرماد كمشهد مقهى يُدمر في غزة، فيُعاد فتحه فوق الأنقاض.أو مشهد فرقة موسيقية يستشهد نصف أعضائها، فيأتي أطفال صغار ليغنوا مكانهم. أو مشهد أطفال في غزة يعزفون ويتعلمون الموسيقى على إيقاع طائرات الاستطلاع التي تحول صوت مرورها في السماء إلى جزء من إيقاع أغانيهم.

كواليس الكتابة الروائية في تجربة إبراهيم نصر الله

وفي حديثه عن طقوسه الروائية، كشف نصر الله عن وجود ملف ضخم لديه تحت عنوان « أفكار روائية » يحتوي على ما لا يقل عن عشر روايات كاملة المخططات، لكنها تنتظر الكتابة لأن الكتابة تتطلب عقودا طويلة من البحث والتخمر.
وروى حادثة عجيبة عندما تنافست في داخله روايتان نضجتا في اللحظة نفسها: الأولى عن مدينة طبرية وبحيرتها وتاريخها، والثانية عن الفساد الأكاديمي والسياسي بعنوان « شرفة الهاوية »، فعاش في تجربة الكتابة صراع البدء بين روايتين، أيهما تستدعيه أولا.
وعندما فتح جهاز الكمبيوتر، وبمحض المصادفة، خطت يداه الجملة الأولى من « شرفة الهاوية » فكتبها، بينما ما زالت رواية « طبرية » كاملة في ملفاتها وتنتظر العودة إليها.
ومنذ عام 2009 يعمل نصر الله على كتابة مشروع ضخم يتناول تجربة السجن الفلسطيني بناءً على لقاءات مكثفة مع أسرى محررين.
« لو انتظرت لـ 20 سنة لن أستطيع كتابة الروايات التي تم تخطيطها والمعدة..الرواية شيء معقد تماماً، ولذلك أعمل عليها لفترات طويلة ».
لم يلاحق إبراهيم نصر الله البطولات الرسمية في كتاباته، إنما فتّش عن الإنسان العادي فيها، ليجعل من طقوس الكتابة فلسفة أخرى لقراءة الأحداث ومساءلة التاريخ وإنقاذ الذاكرة.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *