حاورته الصحفية شذى الحاج مبارك
أمضى أزيد من عشرين عاما في سجون الاحتلال، وهو محكوم بتسع مؤبدات لنشاطه خلال الانتفاضة الفلسطينية سنوات 2000 وما تلاها. ضيفنا الأسير المحرر كميل أبو حنيش، هو أحد رواد الحركة الأسيرة الفلسطينية وأحد رموز أدب السجون، ممن خاضوا بطولات داخل سجون الاحتلال كما خارجها ، كتب ووثّق وساهم في ميلاد حركة أدبية فلسطينية تقاوم الاحتلال خلف قضبان السجون
وقد تحرر خلال صفقة أكتوبر عام 2025 ليتم ترحيله/إبعاده، من قبل سلطات الاحتلال، مباشرةً إلى مصر التي باتت منفاه

وأنت تصافح الحرية من جديد، الموت يخطف من كانت سندك طيلة 23 عاما من الأسر في سجون الاحتلال، والدتك ربحية والتي لم تنعم برؤيتك حرا ، كيف كان وقع فقدها عليك؟
فقدان الأحبة بشكل عام يورث الإنسان أحزاناً قاسية، فما بالك إذا كان هذا الفقدان يأتينا ونحن نبعد مسافات طويلة عنهم. لقد جربت فقدان الأحبة أثناء السجن. استشهد أصدقاء ورفقة عمر. توفيت جدتي التي كانت تنتظرني بفارغ الصبر. وتوفي والدي قبل عام ونصف أثناء الحرب، وقد ترك فيّ جرحاً غائراً، ووجعاً عشته بعد وفاته. بعد تسعة شهور من رحيله، زارني المحامي في السجن وحمل لي الخبر الصاعق. تأثرت كثيراً وكنت أشعر بحزن عميق على رحيل هذا الوالد العظيم. لكن إحساسي بالألم والحزن كان مضاعفاً بعد رحيل الوالدة. حيث كان بالإمكان أن نلتقيها قبل رحيلها. نعم تحررت من سجن وجرى إبعادي إلى مصر، لكن الوالدة لم تتمكن من القدوم ولا زيارتي بسبب أوضاعها الصحية. وها هي ترحل عني دون أن يتاح لي عناقها وتقبيل جبينها، هذه الأم التي احتملت لسنوات طويلة شظف العيش وعانت كثيراً بسبب ملاحقة الاحتلال لي في سنوات الانتفاضة الثانية، حيث اعتقل إخوتي وقام الاحتلال بنسف بيتنا. عانت لأكثر من عشرين عاماً وهي تزور السجون وتنتقل من سجن لآخر. صبرت طويلاً واحتملت وظلت تراهن على رؤيتي في يوم من الأيام، إلى أن جاءت لحظة الحرية وكانت سعيدة لأبعد حد، غنت وزغردت. أجل أنا حزين ومتأثر بعد رحيل الوالدة العظيمة. هذه الأم البسيطة التي علمتني القيم ومبادئ وعزة النفس والكرامة والكبرياء. إنني فخور بهذه الأم العظيمة

يعيش الأسير واقفا مستمرا في الصمود بوجه الاحتلال لأجل وطنه وعائلته، ربحية كانت من ضمن من عشت لأجلهم؟ وكيف عانت معك ما عانيته؟
أمي « ربحية » هي واحدة من مئات آلاف الأمهات العظيمات والصابرات في معركة التحرر الوطني، أولئك الأمهات وزوجات الشهداء والأسرى والجرحى والمطاردين. هؤلاء هنَّ السند الحقيقي للصامدين، اللواتي كابدن المعاناة والصبر والنضال جنباً إلى جنب مع الرجل. أمي واحدة منهن. كانت مثلي الأعلى في الصبر والصمود. تحملت سنوات طويلة. هذه الفلاحة البسيطة التي لا تفك حرفا في كتاب كانت مدرسة لي ولغيري من المناضلين، تعبت وربت الأبناء، وزرعت الأشجار وحصدت القمح. وعندما لوحقت من قبل الاحتلال مدة عامين ونصف لم تسلم أمي وباقي أفراد العائلة من القمع والتنكيل. لقد دأبوا على اقتحام منزلنا عشرات المرات وتخريبه، وصولا الى نسفه وتحولنا إلى أسرة مشتتة لاعوام . اعتقلوا اخوتي وفيما بعد تمكنوا من اعتقالي ، وكانت تزورنا جميعاً، تزور أربعة أبناء وكان كل واحد منا في سجن بعيد عن الآخر. كانت تكتم متاعبها وأوجاعها وتثابر على زيارتنا. وبعد تحرر إخوتي ظلت تزورني طيلة أكثر من عشرين عاماً، رغم الأمراض التي كانت تتناهشها ولكنها كانت عنيدة وصلبة ومثابرة ووفية.وظلت تنتظر يوم تحرري بفارغ الصبر. كنا عبر الزيارات يشجع بعضنا بعضاً. أنا كنت أستمد صبري وصمودي وقوتي من قوتها. وهي كانت تتسلح بإرادتي وصمودي وتقول لي دائماً: « ربما اموت عن قريب ». ربما أفوتها في الطول، لكنها كانت تستدرك وتقول، سأنتظرك بفارغ الصبر. لديّ يقين أنك سوف تتحرر، وسوف ننتظرك. وانتظرت إلى أن تحققت الحرية. وكان يوم يومها الأجمل، يوم حريتي كانت سعيدة إلى حد كبير. عندما هاتفتها كانت فرحة ومبتهجة زغردت وغنت وبكت. كنت أهاتفها يومياً وأنتظر اليوم الذي أعانقها وأعوضها عن سنوات الحرمان والمعاناة، ولكنها رحلت وتركت غصة كبيرة في القلب

في روايتك الجهة السابعة، بدا حبك لجدتك أعظم منه لأمك ، كيف تفسر مشاعر الطفولة والشباب؟
في رواية « الجهة السابعة » التي باشرت في كتابتها بعد مرور مدة وجيزة على رحيل الجدة وكنت متأثراً برحيلها. وهذا ربما ما جعلني أنحاز قليلاً إلى جدتي الراحلة. فهي أيضا كان لها « فضل » كبير عليّ. تربيتُ على يديها. وكانت تهتم لشأني وكانت تغدو علي الكثير من مشاعر المحبة والحنان،هذه الجدة العظيمة أيضاً عانت في حياتها وكنت أحبها وأثق بها. كنت أحب أن أنصفها قليلاً، لهذا كتبت عنها ربما أكثر من أمي. لكنني أيضا ذكرت الوالدة مراراً في الرواية وهي كانت حاضرة في نص الرواية من البداية إلى النهاية. أمي وجدتي كانتا مثلاً أعلى بالنسبة لي وقد حاولت من خلال الرواية أن أنصفهما وأكرمهما ولو بالكلمات. كما أن الرواية تضمنت العديد من الشهداء والأصدقاء والأحبة الذين كان لهم حضور جميل ورائع في وجداني. حاولت من خلال هذه الرواية التي جاءت على شكل سيرة ذاتية أن أكرم هؤلاء الأحبة والأوفياء، ومهما حاولت فإنني أظل أشعر بالعجز والقصور عن الإيفاء بحقهم
مضى على خروجك للحرية أشهر، وأنت الذي تم أسرك خلال الانتفاضة أي قبل أكثر من عشرين عاما، كيف ترى الأحداث الجديدة الواقعة في فلسطين ، التطبيع ورحيل ياسر عرفات، وغياب محمود درويش..؟

أجل، تغير العالم على نحو كبير طيلة هذه السنوات المنصرمة، تغيرت المنطقة، وتسارعت الأحداث واستعرت الحروب، وفي تجربتنا التحررية إننا شهدنا في مسيرتنا الكثير من الويلات والبطولات وفقدان الأحبة والرموز الوطنية والأدبية والثقافية، رحل الكثير من الذين أحببناهم، رحل ياسر عرفات وحكيم الثورة جورج حبش، ورحل الشاعر الكبير محمود درويش، وشنت خمسة حروب كبيرة على قطاع غزة، وأمعن العدو في عدوانه وممارساته الإجرامية بحق البشر والحجر والشجر في فلسطين، ووصلت ذروتها في حرب الإبادة على قطاع غزة، وتجويع أهله وارتكاب المجازر اليومية، كنا نتابع ما يجري على أرض الوطن ونحن في السجن وكنا نتألم، وما نزال نتألم على ما حل بقطاع غزة وما يجري في القدس والضفة من ممارسات إجرامية من قتل وترويع واعتقال واستيطان ومصادرة الأراضي واقتلاع الأهالي من بيوتهم وتدمير المخيمات. لكن قدرنا أن نواصل رحلة النضال مهما غلت التضحيات، وسنواصل مشوارنا التحرري حتى تحرير بلادنا من درس المحتلين الغرباء فهذه مهمة كافة الأجيال وسنبقى نورث الراية جيلاً بعد جيل إلى أن تتحقق كافة أحلامنا الوطنية في العودة والتحرير وكنس الاحتلال عن ثرى بلادنا المقدسة

كنت ومازلت قياديا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورافقت القيادي الأسير أحمد سعدات ولك ذكريات معه، لو تحدثنا عنها وكيف كانت معنوياته لما تركته خلف القضبان؟
أحمد سعدات أعرفه منذ سنوات طويلة، عرفته قبل الأسر وأثناء الأسر. وهو من القادة الذين يتميزون بإرادة صلبة ومعنويات فولاذية. وهذا الرجل الذي التحق بالنضال الوطني منذ نعومة أظفاره، اعتقل لأول مرة عام 1969 وهو لا يزال في عمر السادسة عشرة من عمره. ومن يومها ظل ضيفازائراً على السجون الصهيونية وايضا على سجون السلطة حيث بلغت سنوات اعتقاله أكثر من 35 عاماً. وقد تعمقت علاقتي بهذا الرجل العظيم أثناء السجن. عشنا معاً سنوات طويلة في الأسر. وخضنا معاً نضالات ومعارك الإضراب عن الطعام ونبني المنظمات ونثقف الاسرى ونبث فيهم الوعي والإرادة الثورية. تعلمنا من سعدات الكثير من القيم: الكبرياء والاعتزاز بالنفس والالتزام ونكران الذات والانتماء العميق للوطن والثورة والقيم الإنسانية. أحمد سعدات لم تهزمه السجون والزنازين ولم تضعفه سنوات العزل، ظل مؤمناً بعدالة قضيته ولديه قدرة عجيبة على الاحتمال والصمود والصبر. لقد جمعني بالأمين العام أحمد سعدات الكثير من الذكريات والمواقف وكثيراً ما عملنا معاً في هيئة واحدة، وبقينا معاً إلى أن اندلعت الحرب ومن يومها لم أره، وحالياً القائد سعدات جرى عزله منذ الأشهر الأولى للحرب ويجري الاعتداء عليه والتنكيل به بشكل دائم. لكنه صامد وصابر ولديه إيمان راسخ باقتراب التحرير والحرية

لقد كتبت كثيرا في أسرك وبت كاتبا غزير الإنتاج، كيف نجحت في تخطي ظروف الأسر للكتابة والإبداع؟
رحلتي الكتابية رويتها من خلال كتاب (الكتابة والسجن) حيث شرحت أدق التفاصيل عن عملية الكتابة من داخل السجن حيث حظي الكتاب باهتمام واسع، لأنه يسلط الضوء على زاوية مهمة عن أدب السجون والثقافة الاعتقالية. ورويت من خلال هذا الكتاب الكتابة عن كل رواية وكتاب ودراسة ومقالة وقصيدة كتبتها داخل السجن، رويت فيها هواجس الكتابة ومعاناة الكاتب في الأسر. وأقول ببساطة أنني كنت مثابراً على فعل الكتابة طوال عشرين عاماً، وكنت ألزم نفسي ببرنامج صارم لا أسمح باختراقه. كنت أكتب يومياً مدة ساعتين او ثلاثة ، حيث استطعت أن أنجز حوالي 30 كتاباً منها 20 كتاباً مطبوعاً ما بين رواية وكتاب سياسي وفكري ونقدي ودراسة سياسية أو أدبية… ونشرت مئات المقالات والدراسات والقصائد . وقد احتفيت قبل شهور بهذا المجهود في معرض القاهرة الدولي للكتاب حيث عرض لي في المعرض قرابة 11 كتاباً وهذا يعتبر إنجاز كبير. أما سر هذا النجاح فهو ثمرة للمثابرة والإصرار على تحدي السجان، وتقديم صورة مشرقة عن أدب السجون وهو أيضاً ثمرة للالتزام بالوقت الصارم المخصص للكتابة مهما كانت الظروف

الكنيست الإسرائيلي قام بإقرار قانون الإعدام للأسرى، ما موقفكم من هذا القانون ، وكيف ستواجهونه؟
يمثل إقرار قانون الإعدام للأسرى قمة الصلف والعنصرية والإجرام الصهيوني، ويعبر عن حالة الإفلاس الأخلاقي والإنساني للدولة العبرية. لقد رأى العالم كيف احتفل الصهاينة بإقرار هذا القانون بكل سادية وشذوذ عن أبسط الأخلاق الإنسانية. ولا تجد تعبيرات لمثل هذا السلوك إلا بالممارسات التي كانت متبعة في السجون النازية. إن إقرار هذا القانون هو شاهد جديد على عدوانية هذا المحتل وعنصريته، وهو يحتاج إلى وقفة منا جميعا،فلسطينيين وعرب، ومن كل حر وشريف في هذا العالم، نحتاج إلى ضغط على الحكومات والدول والمنظمات الإنسانية والحقوقية والدولية لكي تقف عند مسؤولياتها في تجريم الاحتلال وإرغامه على تغيير هذه القوانين العنصرية واللاإنسانية. إن مواجهة هذا القانون يحتاج أن تتضافر كافة الجهود وعلى كافة المستويات السياسية والرسمية والإعلامية والحقوقية، ونحن نهيب بكل الأحرار في العالم أن يواصلوا فعالياتهم المنددة بهذا القانون، فالاحتلال يرتدع ويرتبك إذا ما تواصلت هذه الفعاليات. ونحن نعول على هذه الجهود في الضغط على دولة الكيان لإبطال هذا القانون، وكذلك بقية القوانين العنصرية التي تتنافى مع الحقوق الإنسانية ومع القانون الدولي الإنساني




