Culture

في معرض الكتاب: سارة البراهمي تستحضر الذاكرة بتفاصيل تُروى لأول مرة في « سريات »

Spread the love

بقلم الصحفية : شذى الحاج مبارك

تروي فيه تفاصيل لا نعرفها، لكن ينبغي أن نعرفها؛ عن طفلة عاشت أحداثًا أليمة بفقد والدها الشهيد الذي اغتيل في عملية إرهابية غادرة داخل بيته العائلي

صور من الماضي يصعب استحضارها لما تحمله من ألم، لكن سارة — الطفلة التي كبرت وهي تحمل الوفاء لذكرى والدها — قررت أن تبقى مخلصة للحاج محمد البراهمي، كما يسميه طيف واسع ممن أحبوا هذا السياسي الذي اغتالته يد الإرهاب

في « سريات »، كتبت سارة لتستحضر ذكرياتها دفعة واحدة. وفي هذا الحوار، تتحدث عن الكتاب الذي صدر عن دار أركاديا للنشر وخرج إلى النور في هذه الدورة من معرض الكتاب.

ما هو « سريات » تحديدًا؟

« سريات » هو اعترافات وشهادات تُحكى من قلب الحكاية، لا من خارجها. فيه أروي كيف عشت استشهاد والدي، وكيف أعيش كامرأة في اليسار، في علاقتي مع أشكال العنف المختلفة: عنف المجتمع، المؤسسة، الآخر، والحرب

هل يتضمن تفاصيل تُروى لأول مرة؟ وهل ركزتِ فقط على علاقتك بوالدك أم شملتِ ذاكرة العائلة؟

نعم، يتضمن تفاصيل أرويها لأول مرة. حرصت على كشف جوانب لم يُسبق توثيقها أو تداولها، سواء على المستوى الشخصي أو ضمن التجربة العامة. لكنني لم أتناول الذاكرة العائلية الجماعية بشكل موسّع، بل ركزت أساسًا على علاقتي الخاصة بوالدي الشهيد، باعتبارها المدخل الأكثر صدقًا وعمقًا بالنسبة لي. كان ذلك خيارًا واعيًا، لا إقصاءً لبقية أفراد العائلة، بل حرصًا على تماسك السرد وعدم تشتيته

ما الذي شجعك على الكتابة في زمن يعاني فيه الكتاب؟ وكيف كانت بداياتك؟

الكتابة لم تعد ترفًا حتى نقيسها بمنطق السوق أو « أزمة الكتاب »، بل أصبحت ضرورة. دافعي لم يكن الرهان على صناعة تحتضر، بل الحاجة إلى قول ما لا يُقال، وتثبيت ذاكرة مهددة بالنسيان، وتحميل القارئ جزءًا من المسؤولية. في سياقات العنف والفقد، تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة وتوثيق، لا مجرد منتج ثقافي للاستهلاك. أما البدايات، فلم تكن نتيجة تشجيع مؤسساتي أو محيط داعم بالمعنى التقليدي، بل كانت استجابة داخلية لضغط التجربة والاكتئاب. الألم، الفقد، والأسئلة غير المجابة كانت المحرك الأساسي. لاحقًا، لعب بعض الأصدقاء — القراء الأوائل — دورًا في تثبيت هذا المسار. لكن الدافع ظل ذاتيًا: الحاجة إلى الفهم عبر الكتابة. ثم جاءت فكرة النشر، لأن الكتابة وحدها لم تعد كافية. كان هناك وعي بأن النص إذا بقي حبيس الدفاتر، يفقد جزءًا من وظيفته: الشهادة. النشر كان خطوة لتثبيت الذاكرة ومنحها شرعية في الفضاء العام. وكانت أركاديا، وكان وليد الفرشيشي الذي لا يجامل، حين قال لي إن « سريات يستحق النشر »

كيف تشجعين الجيل الجديد على الكتابة؟

الجيل الجديد هو جيلي. أنا من جيل « زاد » ، وأقول لنا: لنكتب لأن لدينا ما يستحق أن يُقال. من لا يكتب الآن، سيُكتب عنه لاحقًا

كيف تنظرين إلى الكتابة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي أداة قوية وفعالة، لكنه يظل محاكاة لأنماط، لا منتجًا لتجربة إنسانية أصيلة. يمكنه المساعدة في الصياغة والتنظيم واقتراح الأفكار، لكنه لا يعيش التجربة ولا يدفع ثمنها. الإبداع مرتبط بالوعي، بالذاكرة، وأحيانًا بالجرح… وهذه ليست معطيات يمكن توليدها خوارزميًا

هل استحضرتِ نضالات الحركة النسوية في تونس؟

« سريات » ليس كتابًا نسويًا بالمعنى التصنيفي الضيق، لكنه يقدم تجربة امرأة كما هي، بتعقيدها وهشاشتها وتناقضاتها. لا يرفع شعارات مباشرة، بل يشتغل على ما هو أعمق: الجسد، الذاكرة، الفقد، والصوت الفردي في مواجهة واقع ضاغط. وهذه كلها تقاطعات أساسية مع الأسئلة النسوية، حتى دون لغة نظرية مباشرة

ماذا عن مشاريعك القادمة؟

ما سأكتبه لاحقًا لن يكون امتدادًا مباشرًا لهذه التجربة. هذا الكتاب وُلد من ظرف قاسٍ جدًا، من لحظة انهيار واكتئاب عميق فرض نفسه كحالة كتابة. لا أتمنى أن أعيش ذلك مجددًا. ربما أكتب من موقع مختلف: من مسافة، من محاولة فهم، لا من داخل العاصفة

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *