تشهد مدن الوطن القبلي ثراءً تاريخياً فريداً يعود لأزمنة غابرة، إذ ارتبطت المنطقة بالعهد البوني والمواجهات القرطاجية الرومانية. تاريخ ضارب في القدم لا تعكس وضعية المواقع الأثرية اليوم أهميته
فالمعالم البونية في كل من قليبية، منزل تميم، والهوارية تواجه إهمالاً يهدد طابعها الفريد ويكاد التأثير يمتد ليشمل السياحة التونسية بحرمانها من روافد استراتيجية كانت تمثل وجهة مميزة للرحلات السياحية

مقابر مهجورة على مشارف البحر
في قليبية، تقف المقبرة البونية على هضبة مرتفعة، شاهدةً على طقوس الدفن وهندستها التي تعود إلى قرون قبل الميلاد. لكن هذا الموقع، الذي يتميز بإطلالة ساحرة تدمج زرقة البحر بخضرة الطبيعة، يعاني اليوم من غياب كلي للتهيئة؛ فلا سياج يحميه، ولا لافتات توجيهية تُعرّف الزائر الأجنبي أو التونسي بهوية القبور المحفورة في الصخر، مما يجعله عرضة للانتهاك والنسيان
الوضع لا يختلف كثيراً في منزل تميم، وتحديداً في موقع هضبة سيدي سالم. هذا المعلم الأثري الأفسح، الذي يختزل جزءاً هاماً من الحضور القرطاجي في المنطقة، تحول إلى مساحة مهجورة بعد أن تهالك سياجه وتلاشت لافتاته، ليبقى الموقع مفتوحاً بلا حراسة، بلا إرشاد، ودون أدنى صيانة تنفض عنه غبار السنين
أما في الهوارية مدينة الساف الذي يجوب الأعالي كحارس طبيعي لمنطقة تعاقبت عليها مراحل تاريخية كثيرة تركت أثرها في صخور الجبال الممتدة، فالأمر أشد وطأة؛ إذ أُغلقت مغاورها البونية الشهيرة—التي استخرج منها القرطاجيون الحجارة لبناء قرطاج العظيمة—في وجه الزوار. وظل مكتب التراث هناك مقفراً من أي تمثيل رسمي، واكتفت السلطات بوضع لافتة تحذيرية تمنع الدخول بسبب « خطر انهيار الصخور »، دون تقديم حلول تقنية لحماية هذا الإرث العالمي.
رغم هذا الواقع المرير، تظل هذه المواقع محل إقبال لافت؛ فالوطن القبلي يمثل وجهة مفضلة لآلاف السياح والزوار، لا سيما خلال فصل الصيف، حيث يجمع الزائر بين سحر الشواطئ وشغف الاكتشاف التاريخي. إن هذا الشغف الجماهيري يؤكد أن « المقابر البونية » ومغاور الهوارية ليست مجرد أطلال، بل تتجاوز كونها أماكن تعبق منها رائحة التاريخ القديم لتصبح
محركا اقتصاديا وثقافيا يعود على الجهة بمداخيل تساعد على تطوير البنى التحتية للمنطقة ككل على مدار عام كامل.
جبت هذه المناطق وأنا أشعر بالأسى الشديد لأنها تكاد تتحول إلى أطلال نبقى نرثي قيمتها.

ولأجل إعادة الحياة إلى هذه المواقع وإنقاذها ينبغي اليوم تسييج موقعي هضبة سيدي سالم بمنزل تميم والمقابر البونية بقليبية, مع وضع اللافتات الإرشادية اللازمة وتأمين حراستها وتوفير مكاتب إرشادية تسهر على حماية المواقع وإرشاد الزائرين والتدخل لفائدة برج قليبية الشهير كذلك.
ولأجل خلق مسلك سياحي متكامل يمكن ضم المقابر البونية بقليبية, وهضبة سيدي سالم, ومغاور الهوارية, وموقع كركوان المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو , في مسلك سياحي بوني قرطاجي متكامل مع إضافة برج قليبية إليها.

اعداد و تصوير: شذى الحاج مبارك / روتس تيفي




