Société

سوسيولوجيا الستوري: هل تبتلع صناعة المحتوى عُمق الفكرة؟

Spread the love

بقلم سارة البراهمي

لم يعد المثقف التونسي ذلك الشخص القابع في زوايا مقاهي العاصمة وباراتها التي راكمت رمزية تاريخية، أو ذلك المختبئ خلف نظاراته السميكة في أروقة المكتبات، بانتظار دعوة رسمية من التلفزة الوطنية ليدلي بدلوه في قضايا الأمة. نحن نشهد اليوم الأفول التدريجي لعصر « المثقف المؤسساتي » الذي يستمد شرعيته من ربطة عنقه أو ولائه للحزب، لنعلن ولادة « المثقف الشبكي

فالمسافة التي كانت تفصل بين « النخبة » والجمهور، والمحاطة بجدران اللغة الأكاديمية المتخشبة، تهاوت أمام انسيابية الهواتف الذكية.لينتقل المنبر من ضجيج البلاتوهات الباردة إلى حميمية غرف البث المباشر. هناك، لم يعد المثقف حارساً وصيّاً على النص، بل صار ملّاحاً بارعاً في بحار الخوارزميات، حيث المعيار لا يقاس بجفاف الأطروحة، بل بقدرتها على النجاة والمقاومة داخل الـ « تايم لاين » الذي لا يتوقف عن الحركة

المثقف « المشخصن »: حين تصبح الحياة محتوى قديماً، رسم إدوارد سعيد صورة المثقف كفرد يحمل رسالة أخلاقية ويواجه السلطة بالحقيقة من مسافة تضمن استقلاليته. أما اليوم، فنحن أمام « المثقف المشخصن » حيث الفكرة لم تعد نصاً مجرداً، بل كائناً حياً مرتبطاً بـ كاريزما صاحبها وأسلوب حياته

في تونس، يتجلى هذا بوضوح حين نرى المثقف الشاب يشارك متابعيه فنجان قهوته في قلب تظاهرة فنية، أو جولاته في جغرافيا الـ « أوتنتيك » (authentique) التونسية، محولاً يومياته إلى سينوغرافيا ذكية لرسالته الثقافية. هذا الامتزاج بين الخاص والمعرفي خلق ألفة رقمية كسرت الجليد مع جيل (Z)، وجعلت الثقافة تبدو كـ « لايف ستايل » ممتع لا كواجب ثقيل. ورغم التساؤل حول ما إذا كنا نستهلك بروفايل المثقف أم فكره، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن الفيلتر والصورة الجذابة صارا الجسر الوحيد المتبقي لإنقاذ القضايا الثقافية من غبار النسيان

سلطة الخوارزمية مقابل سلطة المعرفة التحدي الحقيقي أمام المثقف التونسي يكمن في ما وصفه بيير بورديو بالارتهان لـ « سرعة التفكير » (Fast-thinking). فالمنصات الرقمية لا ترحم ببرودتها التقنية إذ تكافئ المحتوى الذي يستفز رد الفعل الفوري، سواء كان إعجاباً أو جدلاً أو حتى عنفاً رمزياً. يجد المثقف نفسه هنا أمام خيارين: إما التبسيط الذكي لمواكبة الترند التونسي، أو الرصانة التقليدية التي قد تؤدي به إلى عزلة رقمية تامة

الخوارزمية هنا هي الرقيب الحديث فهي لا تمنع الفكر، لكنها تمارس الإقصاء الناعم لكل ما هو طويل ومعقد. ومع ذلك، فإن اضطرار المثقف لاختزال فلسفات عميقة في كبسولة رقمية لا تتجاوز الـ60 ثانية، هو في الواقع تمرين شاق في التكثيف والذكاء الاتصالي، يحول المعرفة من محاضرة مملة إلى شرارة وعي سريعة تناسب إيقاع العصر

من « العضوي » إلى « الرقمي »: الاستثناء التونسي باستعارة مفهوم أنطونيو غرامشي، يمكننا القول إننا نعيش ولادة المثقف الرقمي العضوي. هو ذلك الذي هجر البرج العاجي ليشتبك مع قضايا الشارع التونسي -من الحريات الفردية إلى الأزمات الاقتصادية- مستخدماً لغة الديجيتال كأداة نضال

اللافت في التجربة التونسية هو صعود مدونين ثقافيين نجحوا في « دقرطة » المعرفة فحولوا التاريخ المنسي والسينما البديلة إلى مادة بصرية مبهرة تنافس المحتوى الترفيهي. هؤلاء كسروا مركزية العاصمة الثقافية فصار بإمكان شاب من سيدي بوزيد أو القصرين أن يبني إمبراطوريته المعرفية الخاصة ويحاور الآلاف، متجاوزاً بيروقراطية المؤسسات الرسمية التي طالما احتكرت صكوك الغفران الثقافي

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في رفض التفاعل الرقمي بل في إدراك أن صناعة المحتوى هي سلاح تواصل جبّار. المطلوب هو توازن ذكي: استخدام لغة العصر لجذب الانتباه، مع البقاء كـ « عنصر إزعاج » فكري ينبش في المسلّمات.. فالمعرفة الحقيقية هي التي تستفز العقل وتدفع للتغيير في الواقع التونسي، حتى لو بدأت برحلة بسيطة في ستوري تختفي بعد 24 ساعة، لكن أثرها يبقى محفوراً في وعي الجيل الجديد

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *