تحولت جريمة قتل رفقة الشارني في ماي 2021 من حادثة هزّت الرأي العام التونسي إلى نقطة مفصلية في مسار توثيق جرائم قتل النساء في تونس.
فبعد مقتل الشابة على يد زوجها، إثر إصابتها بأكثر من خمس رصاصات، بدأت ناشطات نسويات في توثيق الحالات المتشابهة عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها صفحة « Féminicide Tunisie »، في محاولة لكسر الصمت حول ظاهرة ظلت لفترة طويلة موزعة بين الأخبار المتفرقة وغياب قاعدة بيانات رسمية وشاملة.
واليوم، وبعد خمس سنوات من مقتل رفقة، تأخذ تلك المبادرة شكلاً أكثر تنظيماً مع إطلاق أول منصة رقمية في تونس مخصصة لرصد وتوثيق ظاهرة تقتيل النساء، وفق ما أكدته المديرة التنفيذية لجمعية « أصوات نساء » سارة بن سعيد.
وجاء إطلاق المنصة بالشراكة مع جمعية المرأة والمواطنة بالكاف، بهدف تحويل التوثيق المتفرق إلى قاعدة بيانات ومنظومة رصد قادرة على متابعة الحالات وتحليلها وإتاحة المعطيات للصحفيين والباحثين وصناع القرار.

من جريمة هزّت تونس إلى مسار للتوثيق
كانت رفقة الشارني، وهي شابة تونسية قُتلت في ماي 2021 على يد زوجها، من أبرز الحالات التي سلطت الضوء على خطورة العنف الزوجي الذي قد ينتهي إلى قتل النساء. وأثارت الجريمة آنذاك موجة من الغضب والاحتجاجات، كما أعادت إلى الواجهة أسئلة تتعلق بمدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية النساء المهددات بالعنف.
ومن رحم تلك الصدمة، بدأت ناشطات نسويات العمل على توثيق جرائم قتل النساء بصورة أكثر انتظاماً. وتحولت صفحة « Féminicide Tunisie » على فيسبوك وإنستغرام إلى إحدى أدوات الرصد الشعبي، في ظل غياب منظومة رسمية موحدة ومحدثة تسمح بتتبع الظاهرة بصورة دقيقة.
وتقول جمعية « أصوات نساء » إن المنصة الجديدة تأتي لتطوير هذا المسار، عبر الانتقال من مجرد نشر الحالات إلى الرصد والتحقق وبناء قاعدة بيانات مفتوحة يمكن الاستناد إليها في فهم الظاهرة ومساءلة السياسات العمومية المتعلقة بحماية النساء.
أرقام تكشف منحنى مقلقاً
تكشف المعطيات التي تستند إليها المبادرة عن تصاعد لافت في عدد جرائم قتل النساء. فبعد تسجيل 6 حالات سنة 2018 وفق المعطيات التي أوردتها وزارة المرأة، ارتفع العدد إلى 25 حالة سنة 2024، ثم إلى 30 حالة قتل و5 محاولات قتل سنة 2025، وفق المعطيات المقدمة من الجهات النسوية القائمة على المبادرة.

وتكشف هذه الأرقام مشكلة أعمق تتمثل في غياب إحصائيات رسمية موحدة ومستدامة حول تقتيل النساء، بما يجعل متابعة تطور الظاهرة وتقييم السياسات العمومية أمراً أكثر صعوبة.
فجريمة قتل امرأة بسبب كونها امرأة لا تأتي في فراغ، بل قد تكون الحلقة الأخيرة في سلسلة من العنف والتهديدات والانتهاكات التي سبقتها. لذلك، فإن توثيق كل حالة، وظروف وقوعها، والعلاقة بين الضحية والجاني، والإنذارات السابقة، وتدخل المؤسسات من عدمه، يمكن أن يساعد في فهم العوامل التي تقود إلى الجريمة، وربما في منع وقوعها قبل فوات الأوان.
عندما لا تكفي القوانين
رغم مرور سنوات على صدور القانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بمناهضة العنف ضد المرأة، لا تزال الناشطات النسويات يثرن أسئلة حول مدى تطبيقه وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذه.
وتشير جمعية « أصوات نساء » إلى جملة من التحديات التي تعيق حماية النساء، من بينها تعطيل عدد من مراكز الإيواء المخصصة للنساء ضحايا العنف، وتراجع التنسيق بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن الصعوبات التي تواجهها الجمعيات في أداء أدوارها إذ قالت سارة بن سعيد لروتس تي في« اليوم عندنا قصور كبير في السياسات والخدمات، مثلاً هناك 14 مركز إيواء للنساء ضحايا العنف مغلق، وغياب للسياسات العمومية وتراجع التنسيق والشراكة بين المؤسسات الحكومية والمنظمات ».
كما تطرح الناشطات مسألة الميزانيات المخصصة لتطبيق القانون، معتبرات أن وجود النص القانوني لا يعني بالضرورة توفير الحماية الفعلية للنساء، ما لم ترافقه خدمات اجتماعية ونفسية وقانونية وآليات تدخل فعالة.
وفي هذا السياق، تنتقد المبادرة أيضاً اختزال تمكين النساء في تمثيلهن في مواقع القرار. فوجود امرأة في منصب سياسي رفيع، وفق الطرح الذي تقدمه الجمعية، لا يمثل في حد ذاته دليلاً على اعتماد سياسات نسوية، إذ إن معيار التقييم الحقيقي يبقى في السياسات والميزانيات والخدمات التي تحمي النساء وتضمن حقوقهن.
منصة لا تكتفي بعدّ الضحايا
بحسب مريم الماكني، الناشطة النسوية بخلية البحث في جمعية « أصوات نساء »، تقوم المنصة على أربعة محاور أساسية.
أولها فتح المجال أمام المواطنين والصحفيين للتبليغ عن الحالات وتوفير المعطيات المتعلقة بها، بما يسمح بتوسيع دائرة الرصد وعدم حصرها في المصادر الرسمية.
أما المحور الثاني فيتعلق بـالتحقق من المعلومات. فالمعطيات التي تصل إلى المنصة لا تُنشر بصورة آلية، وإنما تمر عبر خلية البحث التي تتولى تدقيقها والتحقق من مدى مصداقيتها قبل اعتمادها.
ويتمثل الهدف الثالث في الدفع نحو الاعتراف بتقتيل النساء كجريمة قائمة بذاتها، بما يسمح بإبراز خصوصية هذا النوع من الجرائم وعدم التعامل معه باعتباره مجرد حالات قتل منفصلة عن سياق العنف القائم على النوع الاجتماعي.
أما الهدف الرابع، فهو بناء قاعدة بيانات مفتوحة يمكن أن يستفيد منها الباحثون والباحثات في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس والقانون والعلوم السياسية، إلى جانب الصحفيين وصناع القرار.

رفقة الشارني… ذاكرة جريمة تحولت إلى أداة للرصد
بعد أكثر من خمس سنوات على مقتل رفقة الشارني، لا تزال قصتها حاضرة في النقاش حول العنف ضد النساء في تونس. لكن ما بدأ كغضب نسوي إثر جريمة هزت البلاد، يتحول اليوم إلى محاولة لبناء ذاكرة رقمية للضحايا، تتجاوز أسماءهن وأعدادهن إلى البحث في الظروف التي سبقت قتلهن.
فالهدف من المنصة ليس فقط معرفة كم امرأة قُتلت، وإنما محاولة الإجابة عن أسئلة أكثر إلحاحاً: كم منهن تعرضن للعنف قبل قتلهن؟ هل سبق أن طلبن الحماية؟ هل وصلت شكاوى إلى السلطات؟ ماذا فعلت




