باتت التهديدات التي تواجه حقوق النساء في تونس والعالم مرتبطة لا بالنصوص القانونية أو بمستوى التمثيل السياسي فقط، وإنما بجزء من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية أوسع، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والحروب وصعود التيارات المحافظة وتراجع المجال الديمقراطي.
وترى فتحية السعيدي، من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، أن حقوق النساء ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمستوى الديمقراطية، معتبرة أن انحسار الفضاء الديمقراطي ينعكس مباشرة على قدرة النساء على الحفاظ على مكتسباتهن والدفاع عن حقوقهن.
وتقول السعيدي إن العالم يشهد اليوم صعوداً للقوى المحافظة والشعبوية والحكومات السلطوية في عدد من البلدان، وهو ما يهدد المكاسب المتعلقة بالمساواة بين النساء والرجال.
وتستند السعيدي إلى أحدث معطيات المنتدى الاقتصادي العالمي حول الفجوة بين الجنسين، والتي شملت 148 دولة، مشيرة إلى أن نسبة سد الفجوة بلغت نحو 68.88 بالمائة، مقابل 68.4 بالمائة سنة 2024. ورغم التحسن الطفيف، فإن التقرير يقدر أن الوصول إلى المساواة الكاملة، بالوتيرة الحالية، قد يستغرق نحو 123 سنة.

بالنسبة إلى السعيدي، تكشف هذه الأرقام أن النضال من أجل حقوق النساء لا يزال بعيداً عن نهايته، خصوصاً في ظل ما تصفه بـ »الارتداد على المساواة » وصعود التيارات المحافظة.
الحقوق الجنسية والإنجابية في مرمى التراجع
من أبرز الملفات التي ترى السعيدي أنها تواجه تهديدات متزايدة، الحقوق الجنسية والإنجابية، مشيرة إلى التراجع المسجل في عدد من البلدان في مجال الحق في الإجهاض الآمن والقانوني، إلى جانب التحديات المتعلقة بالحصول على وسائل منع الحمل.
ولا يقتصر التراجع، وفق السعيدي، على هذا المجال، إذ تشير إلى فجوة واسعة بين التقدم في تعليم النساء وبين وصولهن إلى مواقع صنع القرار.
فبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2025، بلغت الفجوة العالمية في مجال التعليم نحو 95.1 بالمائة، مقابل 22.9 بالمائة فقط في مجال التمكين السياسي.
وتقول السعيدي إن هذه الأرقام تكشف مفارقة واضحة: فالنساء يحققن مستويات مرتفعة من التعليم، لكن ذلك لا يترجم بالضرورة إلى حضور مماثل في مواقع اتخاذ القرار.
وتصبح الفجوة، بحسبها، أكثر وضوحاً في البلدان العربية، حيث لا تزال مشاركة النساء في مواقع السلطة وصنع السياسات محدودة مقارنة بمستوى تقدمهن في التعليم.

العنف الرقمي… سلاح جديد ضد النساء
إلى جانب العنف التقليدي، برز العنف السيبراني كأحد التهديدات الجديدة التي تواجه النساء، وخاصة الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان.
وترى السعيدي أن العنف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت لا يقتصر على استهداف نساء بعينهن، بل يطال أيضاً المدافعات عن حقوق النساء، ويستخدم للتشهير بهن وترهيبهن وإسكات أصواتهن.
كما يساهم هذا النوع من العنف، وفق السعيدي، في إعادة إنتاج الصور النمطية وتعزيز التمييز بين النساء والرجال، مستفيدا من الانتشار الواسع لمنصات التواصل ومن صعوبة محاسبة مرتكبي الاعتداءات الرقمية.
ويضاف إلى ذلك، بحسبها، بروز الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن أن تستعمل في إنتاج محتويات تستهدف النساء أو التشهير بالناشطات، فضلاً عن خطر إعادة إنتاج التمييز الموجود أصلاً داخل البيانات والخوارزميات.
من الحروب إلى الأزمات الاقتصادية… النساء في الواجهة
لا تنفصل هذه التهديدات، وفق السعيدي، عن السياقات الاقتصادية والسياسية العالمية. فالأزمات الاقتصادية تؤدي إلى ارتفاع مستويات تفقير النساء، فيما تؤدي الحروب والنزاعات المسلحة إلى مضاعفة الانتهاكات التي يتعرضن لها.
وتشير السعيدي إلى الحرب في غزة باعتبارها مثالاً على ما يمكن أن تتعرض له النساء في سياقات النزاع المسلح، من عنف وانتهاكات جنسية وغيرها من أشكال الاعتداء.

وبذلك، لا ترى السعيدي أن التهديدات التي تواجه حقوق النساء منفصلة عن بعضها، بل تعتبرها حلقات ضمن سياق عالمي تتراجع فيه الحماية الحقوقية بالتوازي مع صعود السلطوية والمحافظة والأزمات الاقتصادية والسياسية.
من المطالبة بالحقوق إلى الدفاع عن شرعيتها
لكن أخطر التحولات، بالنسبة إلى السعيدي، يتمثل في انتقال الحركة النسوية من مرحلة المطالبة بمزيد من الحقوق إلى مرحلة الدفاع عن شرعية الحقوق القائمة أصلاً.
وتقول إن حقوقاً كانت تبدو محسومة أصبحت اليوم موضع تشكيك، وإن النقاش لم يعد دائماً يدور حول كيفية تطوير حقوق النساء، وإنما حول ما إذا كانت هذه الحقوق مشروعة أصلاً.
وتبرز هذه الإشكالية، بحسبها، في النقاشات المتعلقة بقوانين الأسرة في عدد من البلدان العربية والإسلامية.
وتعتبر السعيدي أن تونس، رغم ما حققته مجلة الأحوال الشخصية من تقدم مقارنة بعدد من البلدان العربية والإسلامية، لا تزال أمام تحديات في مجال المساواة داخل الأسرة. وتستشهد بتجربة المغرب، حيث أقر مدونة الأسرة مسؤولية مشتركة بين الأب والأم داخل الأسرة.
وفي المقابل، ترى أن العديد من التشريعات العربية لا تزال تنظر إلى المرأة أساساً باعتبارها فرداً داخل الأسرة، وليس باعتبارها فرداً مستقلاً يتمتع بحقوق أصيلة.
حين تتقدم الأسرة على المرأة
وترى السعيدي أن هذا التحول يمكن ملاحظته أيضاً في تونس، مستشهدة بتغيير اسم وزارة شؤون المرأة والأسرة بعد 25 جويلية لتصبح وزارة الأسرة والمرأة، معتبرة أن ترتيب المفردات يعكس، في نظرها، تحولاً في الأولويات والسياسات العمومية، بحيث أصبحت الأسرة في المقدمة والمرأة في المرتبة الثانية.
وتقول إن الإشكال لا يتعلق برفض أهمية الأسرة، وإنما بطريقة النظر إلى المرأة داخلها: هل هي صاحبة حقوق مستقلة أم أن حقوقها تظل مرتبطة بموقعها داخل الأسرة؟
وتعتبر أن صعود الفكر المحافظ يعزز هذا التصور، خصوصاً مع انتشار خطاب يقدم الدفاع عن حقوق النساء باعتباره جزءاً من « أيديولوجيا جندرية » أو تهديداً للهوية والقيم الاجتماعية.




